العدالة الانتقالية مقاربة عادلة تصب في مصلحة الجميع

Peace Track Initiative
7 min readOct 26, 2022

هذا المقال هو ترجمة عربية لنسخة معدلة تم نشرها في موقع المجلس الاطلنطي باللغة الانجليزية على هذا الرابط https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/truce-or-no-truce-transitional-justice-is-yemens-only-path-to-healing/

حورية مشهور *

هاهي الهدنة الأممية الراهنة توشك على الانتهاء، وبالرغم من أن المشاورات باتجاه السلام لا تزال مستمرة، إلا أن مبادئ العدالة الانتقالية لا يتم التطرق لها بالشكل المطلوب .

للأسف عملية السلام التي بدأت منذ 2015 تجاهلت مسألة إدراج حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية في المشاورات بين الفرقاء في اليمن للاعتقاد بأن هذا يعقد العملية ويعرقل التقدم في مسار مشاورات السلام لأن الأولوية هي للهدنة ووقف إطلاق النار واسترضاء الأطراف للجلوس على مائدة المفاوضات. وهذا التجاهل لا يعترف بحق الآلاف إن لم يكن الملايين من الضحايا نساءً ورجالاً وأطفالاً ممن أصيبوا إصابات بالغة تسببت لهم بإعاقات دائمة أو فقدوا أرواحهم وحرياتهم وممتلكاتهم وأهدرت كراماتهم خلال ال 8 سنوات الماضية، بل وخلال فترات صراع قديمة.

فأنا لا أزال أتذكر حشود المتظاهرين والمتظاهرات بالمئات من الضحايا الذين كانوا يتجمعون أمام مقر مجلس الوزراء كل ثلاثاء مطالبين بالعدالة والإنصاف لحقوق انتهكت عندما كنت وزيرة حقوق الإنسان في اليمن بين 2012 و2014. كانوا يطالبون بحقوقهم وبتعويضات لانتهاكات متعلقة بأحداث الربيع العربي الذي انطلق بـ 2011 في اليمن، بل حتى تلك المرتبطة بانتهاكات قديمة ضد الجنوبيين منذ حرب 1994 وتلك المرتبطة بالحروب الستة في صعدة شمال اليمن. وكانت تصلنا في وزارة حقوق الانسان العديد من البلاغات و التظلمات تعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تتعلق بصراعات دموية في شمال اليمن أو جنوبه قبل الوحدة في مايو 1990 وأحداث لم يتم معالجة مسبباتها وجذورها وتراكمت مع مرور الزمن.

في ديسمبر 2018 لم يتطرق اتفاق ستوكهولم لنهج العدالة الانتقالية أو حقوق الإنسان بشكل مباشر ولكن قضايا ذات علاقة بالعدالة وحقوق الإنسان فرضت نفسها على أجندة الاتفاق كتبادل الأسرى والمعتقلين ودفع رواتب الموظفين والموظفات وتكوين لجنة تفاهمات تعز لفك الحصار على المدنيين والمدنيات، والتي أعتبرت مسائل جوهرية لبناء الثقة بين طرفي النزاع آنذاك، وبعد ذلك واجه الاتفاق تحديات كبيرة في تنفيذ هذه الترتيبات الإنسانية لعدم وجود آلية مساءلة ومحاسبة وعدم الإفصاح بشكل علني عن المعرقلين.

هناك حاجة حقيقية للعمل على مكونات العدالة الانتقالية المختلفة في جميع مراحل عملية السلام، والتي يجب أن تشمل كشف الحقيقة، المساءلة والمحاسبة، جبر الضرر، حفظ الذاكرة الوطنية، الإصلاح المؤسسي والمصالحة الوطنية ، وينبغي أن تكون مستجيبة للنوع الاجتماعي، وتحديداً احتياجات النساء والفتيات في كل مكون من هذه المكونات تحقيقاً للعدالة والإنصاف لا كضحايا فحسب بل كفاعلات نشطات في آليات العدالة الانتقالية وتعزيز مشاركتهن مثلاً في لجان الحقيقة والمصالحة أو آليات التعويض وجبر الضرر أو المشاركة الفاعلة في هيئات المصالحة الوطنية.

حينما غاب حضور المرأة الفاعل في المسار الأول في الوفود الرسمية وكذلك في أنشطة مكتب المبعوث، تصدر المجتمع المدني بكفاءة لهذه المهمة واشتغل على المسار الثاني، مبادراً بتقديم رؤية للسلام في اليمن، حيث اجتمعنا كقيادات نسوية وعملنا على إعداد خارطة الطريق النسوية للسلام بدعم من مؤسسة مبادرة مسار السلام . التي تمت عبر عقد مشاورات مجتمعية لإثرائها وتأكيد مضامينها التي عبر عنها أصحاب المصلحة وخاصة ضحايا النزاع، وبذلك فإنها تكتسب المشروعية لإنها عبرت عن مصالح واحتياجات المدنيين والمدنيات للسلام، وبالتالي يجب أن يتم تضمينها كمرجعية وطنية ويتم عكس توصياتها في أي اتفاق سلام خاصة وأنها المشروع أو الرؤية الوطنية الوحيدة المستندة على منهجية النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، ومن أهم ما جاء بها ويعزز العدالة الانتقالية توصيات حول التزامات أحادية لتعزيز حقوق الإنسان منها وقف تجنيد الأطفال والإفراج عن المعقتلين والمعتقلات وحددت الأفعال المحظورة التي شملت وقف انتهاكات حقوق الإنسان، وأيضا قدمت آلية للمساءلة الذاتية على الأقل في مرحلة وقف إطلاق النار لمحاسبة المعرقلين أو من يخرقون اتفاقات وقف إطلاق النار، وأوصت بجعل العدالة الانتقالية من أولويات مرحلة التفاوض والمرحلة الانتقالية وأهمية سن مشروع لقانون العدالة الانتقالية. وفي ذات السياق قدم تيار التوافق الوطني كذلك رؤية معبرة عن تطلعات الشعب في اليمن لوقف الحرب وبناء السلام.

ومن المهم أن يستوعب الوسطاء ووفود التفاوض أن إجراءات العدالة الانتقالية لا تصب في مصلحة الضحايا فحسب بل يمكنها أن تتضمن مخرجاً آمناً للمنتهكين إذا ما اعترفوا واعتذروا وطلبوا الصفح والغفران والتزموا بعدم التكرار وتم تعويض الضحايا بطريقة مرضية. و بهذه الطريقة يمكن إغلاق هذه الملفات بعد تحقيق رضا الضحايا، ودون ذلك تبقى ملفات الانتهاكات مفتوحة ويمكن أن يتم إحالتها للعدالة الجنائية المحلية، أو إلى القضاء الدولي مثل المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية إن لم يتم الانتصاف للضحايا أمام المحاكم الوطنية، لأن الانتهاكات الجسيمة والصارخة كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. وهذا يستدعي تجسيد مبادئ العدالة الانتقالية بصورة واضحة في اتفاق السلام.

ففي ألمانيا وبعد ثمانية عقود منذ الحرب العالمية الثانية ما زالت تقدم تعويضات لحوالي 5000 من الناجين والناجيات من الهولوكست، ورأينا في مطلع هذا الشهر بولندا تطالب تعويضات بأكثر من ترليون يورو من ألمانيا. والعراق انتهت قريباً من آخر تعويض للكويت بداية هذا العام بسبب اجتياح أراضيها في عام 1990. وتوجد قصص من كولومبيا تتحدث عن فتح ملفات تعويضات بعد أربعين سنة من وقائع الانتهاكات.

فالعدالة الانتقالية مقاربة عادلة وفاعلة طبقتها كثير من الدول التي شهدت حروب أهلية طاحنة مثل روندا وجنوب أفريقيا، و نجحت على أساسها في تجاوز ماضي الصراعات بصورة منصفة وعادلة للضحايا كما جعلت المنتهكين يقفون على بشاعة ما ارتكبوا من خلال الاعتراف والإقرار وتحمل المسؤولية ثم الاعتذار وطلب الصفح من الضحايا والالتزام بعدم التكرار وبذلك أغلقت تلك الملفات وانتفت الحاجة لفتحها مجدداً ، وهذا ما نود أن يدركه أطراف الصراع الآن حتى يستوعبوا أهمية القبول بهذا النهج في آليات السلام.

قد تقتضي الحاجة إتخاذ بعض التدابير الملحة والعاجلة ذات صلة بالعدالة الانتقالية، ففي اليمن خلال الفترة الانتقالية ما بعد الربيع العربي خلال الفترة 2012–2014 ، تم اتخاذ بعض التدابير ذات العلاقة بالعدالة الانتقالية بالرغم من عدم صدور قانون العدالة الانتقالية استجابة للضحايا ولتهدئة نفوسهم التي كانت تغلي ولتوفير أجواء إيجابية لمؤتمر الحوار الوطني الذي شارك فيه 565 ممثلاً لأطياف جيوسياسية متنوعة بما في ذلك ممثلين عن الضحايا وبذلك عبرت مخرجات هذا الحوار عن حقوقهم وحقوق الإنسان عامة وعن مبادئ المدنية والحكم الرشيد،وقد شملت تلك الإجراءات اعتذار الحكومة لضحايا الجنوب وصعدة وإنشاء صندوق للتعويض عن الأراضي والأملاك المنهوبة ، وصندوق آخر لتعويض من تم تسريحهم قسراً من الخدمة المدنية والخدمة العسكرية بعد حرب 1994 ، كذلك معالجة بعض الجرحى داخليا أو خارج البلاد للحالات المستعصى علاجها في اليمن. وتم إعداد مشروع قانون الأموال المنهوبة وكذلك مشروع قانون العدالة الانتقالية. وقد نوقشت هذه القضايا أثناء الحوار الوطني بين مختلف المكونات السياسية وأفضت إلى مخرجات جيدة حول العدالة الانتقالية تتفق مع المعايير الدولية وتم ترجمتها في مسودة الدستور الجديد حيث نصت على إصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وفقًا لوثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل، خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ نفاذ الدستور، وإنشاء هيئة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وصندوق جبر الضرر ، إلا إن الانقلاب على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني في خريف عام 2014 أدخل البلاد في أتون الصراع العنيف الذي ما زلنا نعيش تداعياته حتى هذه اللحظة.

ويتحدث البعض همساً أو صراحة عن الإعلان عن عفو عام ومصالحة وطنية بعد أن تضع الحرب أوزارها في اليمن، وطي صفحة الماضي وعدم فتح هذه الملفات التي ستنكئ الجراح. مثل هذا الكلام كان يحدث بعد كل دورة من دورات الصراعات العنيفة في اليمن شماله وجنوبه وتشمل حرب الجمهوريين ضد الأماميين بين 1962–1970 في الشمال وحرب 1986 في الجنوب والحرب بين الشمال والجنوب بعد تحقيق الوحدة بأربعة أعوام في 1994 وغيرها من دورات صراع عنيفة كانت تنتهي بعفو عام لتعود الصراعات أعنف من سابقتها، صدر آخر عفو في 2012 وفقاً لقانون الحصانة للرئيس السابق صالح وأعوانه بعد تنحيه عن السلطة بعد أن حكم اليمن أكثر من 3 عقود. وقد تفاوضت القوى السياسية حينها على مشروع قانون الحصانة واعتمد للرئيس حصانة شاملة و عفو عن أعوانه من الملاحقة الجنائية بحيث لا تشمل الحصانة الاستيلاء على المساكن والأراضي والممتلكات الخاصة والعامة، و برر السياسيون ذلك لمنع انزلاق البلاد للعنف أكثر أو الانجرار لحرب أهلية ولكن للأسف فقد حدث المحذور وانزلقت البلاد لحرب طاحنة أكلت الأخضر واليابس وأفضت إلى أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية كما تشير إلى ذلك تقارير الأمم المتحدة. وهذا تأكيد أن العفو دون معالجة جذور وأسباب الصراع لا يحقق سلام دائم ولا استقرار ولا مصالحات وطنية يبنى عليها تعافي مجتمعي ما لم يتم تطبيق مقاربة العدالة الانتقالية بمرتكزاتها الخمسة المشار إليها آنفاً.

حالياً نلمس بعض التحسن في مشاورات السلام التي يقودها مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن من ناحية تعزيز المشاركة الواسعة لتشمل التشاور مع القوى المدنية والأحزاب والشباب والنساء والقوى القبلية وغيرها ، حيث اقتصرت سابقاً على طرفي النزاع فقط الحكومة المعترف بها دولياً من ناحية والحوثيين من ناحية أخرى . ويمكن تحسين ذلك بشكل أكبر عبر تصميم عملية سلام تكون مرتكزة على أولويات واحتياجات الضحايا والبدء باشراكهم في المشاورات والمفاوضات آخذين بالاعتبار الملفات التي ظلت معلقة مثل إطلاق سراح المعتقلين/ات ونشطاء حقوق الإنسان والكشف عن المخفيين قسرياً و ورعاية وتعويض ضحايا التعذيب وضحايا الأسلحة المحرمة دولياً خاصة الألغام ، وعدم تجاهل موضوع المقاتلين من الأطفال وإعادة تأهيلهم والتخفيف من معاناة النازحين/ات من ضحايا الحرب أو ضحايا الكوارث الطبيعية مثل السيول التي جرفت خيامهم ومساكنهم وتوفير أبسط وسائل الحياة الكريمة لهم.

بالتأكيد لا نستطيع تطبيق العدالة الانتقالية حالياً لأنه الدولة غير مستقرة وأجهزتها ضعيفة وهشة، فمن الطبيعي أن لا يتم تطبيقها في وضع النزاع ولكن يمكن تنفذ عناصر من العدالة الانتقالية أو عمل برامج وقائية لمنع ارتكاب المزيد من الانتهاكات، فما يجب عمله الآن وبصورة طارئة هو دعم الآليات المؤسسية التي تقوم بتوثيق وأرشفة الانتهاكات والتظلمات للتعامل معها في الوقت المناسب كاللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان التي تؤدي مهامها منذ إنشائها في 2015، وهناك عدد أيضا من منظمات المجتمع المدني يقومون بهذه المهمة. وهناك مطالبات مستمرة بإنشاء آليات مساءلة دولية على مستوى مجلس حقوق الإنسان بديلة عن لجنة الخبراء الدوليين الذي تم إلغاء عملها في العام الماضي، ومطالبات بجعل عملية السلام أكثر استجابة للعدالة الانتقالية عن طريق تسمية المعرقلين للسلام.

لن نصل للسلام المنشود دون أن تستند عملية السلام على منهجية حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي والعدالة الانتقالية حتى نحمي الأجيال القادمة من تجدد دورات الصراع ونمكنهم من العيش بكرامة وأمان.

* حورية مشهور هي ناشطة سياسية وحقوقية متخصصة في النوع الاجتماعي والعدالة الانتقالية وحقوق الانسان. عضو مؤسس في تيار التوافق الوطني، وكانت وزيرة حقوق الإنسان في عهد حكومة الوفاق بين 2012 و2014 وقبلها مسؤولة في اللجنة الوطنية للمرأة. تعمل حورية كمستشارة في المركز اليمني للعدالة الانتقالية وهي عضوة في شبكة التضامن النسوي و حاصلة على زمالة مبادرة مسار السلام للقيادة النسوية.

--

--

Peace Track Initiative
0 Followers

The Peace Track Initiative (PTI) was founded by Yemeni women inside and outside Yemen who came together in 2015 to support the peace process in Yemen.